ابن عجيبة
42
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الموافق لكتابهم من بعد التحكيم ، وفيه تنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع ، وإنما قصدوا به ما يكون عونا لهم على هواهم ، وإن لم يكن حكم اللّه في زعمهم ، وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ بكتابهم ولا بكتابك ؛ لإعراضهم عنه أولا ، وعنك ثانيا ، بل أولئك هم الفاسقون التابعون لأهوائهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من تعرض للشيخوخة وادعى مقام التربية ، وهو يأمر أصحابه باتباع رخص الشريعة ، والبقاء مع العوائد ، ويقول لهم : ( إن أوتيتم هذا فخذوه ) ويزعم أنه سنة ، وإن لم تؤتوه ، ولقيتم من يأمركم بقتل النفوس ، وحط الرؤوس ودفع الفلوس ، وخرق العوائد فاحذروه . فمن كان حاله هذا ، فالآية تجر ذيلها عليه ، لأنه تعرض لفتنة نفسه بحب الجاه وغرور أولاد الناس ، وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الهوى ، ولا بصيرتهم من شهود السّوى ؛ لأن تطهير القلوب مشروط بقتل النفوس ، وقتل النفوس إنما يكون باتباع ما يثقل عليها من خرق عوائدها ، كالذل والفقر وغير ذلك من الأعمال الشاقة عليها ، ومن لم يطهر قلبه من الهوى يعش في الدنيا في ذل الحجاب مسجونا بمحيط انه ، محصورا في هيكل ذاته ، وله في الآخرة أشد العتاب ، حيث تعرض لمقام الرجال وهو عنه بمعزل ، ويقال لمن تبعه في اتباع الرخص : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه : من كان من فقراء الزمان يسمع الغناء ، ويأكل أموال الظلمة ، ففيه نزعة يهودية ، قال تعالى : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ . ه فإن جاءوك أيها العارف ، يستخبرونك ، ويخاصمونك في الأمر بخرق العوائد ، ويزعمون أنهم موافقون للسنة ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ، وهو الأخذ بكل ما يقتل النفوس ، ويجهز عليها ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وكيف يحكمونك أو يخاصمونك ، وعندهم القرآن فيه حكم اللّه بذلك ، قال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا « 1 » ، ولا يكون جهاد النفس إلا بمخالفتها ، وقتلها بترك حظوظها وهواها . واللّه تعالى أعلم . ثم قرر صحة كتابه التوراة ، ووبال من أعرض عنه من اليهود ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 44 ] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ( 44 )
--> ( 1 ) من الآية 69 من سورة العنكبوت .